الشيخ محمد علي طه الدرة

408

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

اللّه عباده المؤمنين بهذا النّداء في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن الكريم ، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم بأنّ الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى أوامر اللّه ، ونواهيه بحسن الطّاعة ، والامتثال ، وإنّما خصّهم اللّه بهذا النّداء ؛ لأنّهم هم المستجيبون لأوامره ، المنتهون عمّا نهى اللّه عنه ؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر ، أو بنهي . كُتِبَ : فرض ، كما في قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي : [ الخفيف ] كتب القتل والقتال علينا * وعلى الغانيات جرّ الذّيول الْقِصاصُ : القود الذي هو قتل القاتل فقط لا يتجاوز إلى غيره ، قال تعالى في سورة ( الإسراء ) رقم [ 33 ] : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ . والإسراف : هو قتل غير القاتل : انظر شرحها هناك . هذا ؛ والقصاص لا يقيمه إلا أولو الأمر ، فلو ترك لوليّ القتيل ؛ تقع الفوضى في المجتمع ، ويختلّ النظام الاجتماعي . الْقَتْلى جمع : قتيل ، لفظه مؤنث تأنيث الجماعة ، وهو ممّا يدخل على الناس المساءة ، فلذلك جاء على هذا البناء ، كجرحى ، وزمنى ، وحمقى ، وصرعى ، وغرقى . هذا ؛ وخذ ما يلي : [ مجزوء الخفيف ] إنّ قومي تجمّعوا * وبقتلي تحدّثوا لا أبالي بجمعهم * كلّ جمع مؤنّث الْحُرُّ هو الذي لا ملك لأحد فيه . و ( الْعَبْدُ ) بخلافه . هذا ؛ وقد اختلف في تأويل الآية ، فقالت طائفة : جاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه ، فبينت حكم الحر إذا قتل حرّا ، والعبد إذا قتل عبدا ، والأنثى إذا قتلت أنثى ، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر ، فالآية محكمة ، وفيها إجمال يبينه قوله تعالى في سورة ( المائدة ) رقم [ 45 ] : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ . . . إلخ وبينه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بسنّته لما قتل اليهوديّ بالمرأة . وذهب أبو حنيفة - رحمه اللّه تعالى - إلى أنّ الحرّ يقتل بالعبد لعموم آية المائدة المذكورة ، وهو مروي عن عليّ ، وابن مسعود ، رضي اللّه عنه . قال البخاريّ - رحمه اللّه تعالى - : يقتل السيد بعبده لعموم قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قتل عبده ؛ قتلناه ، ومن جدع عبده ؛ جدعناه ، ومن خصاه ؛ خصيناه » . وخالفهم الجمهور ، فقالوا : لا يقتل الحرّ بالعبد ؛ لأنّ العبد سلعة ، لو قتل خطأ ؛ لم يجب فيه دية ، وإنّما تجب فيه قيمته ، ولأنه لا يقاد بطرفه ، ففي النفس بطريق الأولى . وذهب الجمهور إلى أنّ المسلم لا يقتل بالكافر ؛ لما ثبت عن البخاري في عليّ - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يقتل مسلم بكافر » ولا يصحّ حديث ، ولا تأويل يخالف هذا . وأما أبو حنيفة ؛ فذهب إلى أنّه يقتل به لعموم آية المائدة المذكورة ، وقد عيب عليه ذلك ، وقد أفتى أبو يوسف - رحمه اللّه - بذلك ، وقد قال بعض الشعراء ذامّا له ، بل ومتهجّما عليه ، خذ قوله : [ السريع ]